الفصل السادس عشر
الجزء الرابع — حياتك اليوميَّة
الصَّلاةُ والوُضوء

غسيلُ كليتيك يَأخُذ ساعاتٍ من يَومك. لكنَّه لا يَأخُذ منك صَلَواتك. الإِسلامُ دينُ يُسر — "يُريدُ اللَّه بكم اليُسرَ ولا يُريدُ بكم العُسرَ". لكلِّ حالةٍ من حالاتك حُكمٌ شَرعيٌّ يُيَسِّر لك العبادة.
في هذا الفصل، تَتَعَلَّم كَيف تُؤَدِّي الوُضوء مَع الناسور أو القَسطرة، كَيف تُصَلِّي وأنتَ على آلة الغسيل، متى يَجوز التَّيَمُّم، وكَيف تَجمع الصَّلَوات في يَوم جَلستك.
هذه الإِرشاداتُ عامَّةٌ تَتَّفِق مع آراء المَذاهب المُعتَبَرة. لأَسئلةٍ خاصَّةٍ، اَستَشِر إمامَ مَسجدك أو دار الإفتاء.
الإسلامُ يراعي حالك ويسهل عبادتك

الشريعةُ الإسلاميَّة فيها أَحكامٌ خاصَّة لأَهل الأَعذار. أَنتَ — كَمَريض غسيل — من أَهل الأَعذار في كثيرٍ من الأَحوال.
ما يُيَسَّر لك:
- إن تَعَذَّر الماء على عُضوٍ، تَمسحَ عليه أو تَتَيَمَّم بَدلاً منه.
- إن لم تَستَطع القيام، تُصَلِّي قاعداً.
- إن لم تَستَطع القُعود، تُصَلِّي مُستَلقياً.
- إن كنتَ في جَلسة طَويلة، تَجمَع الظُّهر مع العَصر، أو المَغرب مع العِشاء.
- إن فاتَك وَقتُ صَلاةٍ بِسَببٍ شَرعيٍّ، تَقضيها بعد الجَلسة.
اَلقاعدةُ الجامعة: لا تَترك الصَّلاة بحُجَّة العَجز. اَجتَهد بقَدر طاقتك، فإِنَّ "اللَّهَ لا يُكَلِّفُ نَفساً إِلَّا وُسعَها".
الوُضوءُ — الخُطواتُ الأَساسيَّة

قَبل الدُّخول في الفُروق الخاصَّة بك، نُذَكِّرك بالخُطوات الأَساسيَّة لِلوضوء:
(١) النيَّة في القَلب: نَويتُ الوضوء لِرَفع الحَدَث.
(٢) التَّسمية: "بسم اللَّه".
(٣) غَسلُ اليَدَين إلى الرُّسغَين ثَلاثاً.
(٤) المَضمَضةُ والاستنشاق ثَلاثاً.
(٥) غَسلُ الوَجه ثَلاثاً (من مَنابت الشَّعر إلى الذَّقن، ومن الأُذُن إلى الأُذُن).
(٦) غَسلُ اليَدَين إلى المرفقَين ثَلاثاً.
(٧) مَسحُ الرَّأس مرَّة.
(٨) غَسلُ القَدَمَين إلى الكعبَين ثَلاثاً.
اَلتَّرتيبُ والمُوالاة شَرطان. هذه الخُطواتُ هي القاعدةُ — والاختلافاتُ الخاصَّة بحالتك تَأتي في الصفحات التالية.
الوُضوءُ مع الناسور

إن كان لَدَيك ناسورٌ في ذراعك لجلسة غسيل الدم، فالقَواعدُ كالتالي:
اَلوضع الطَّبيعي — لا مَشاكل:
- بعد التِئام الناسور (٤-٦ أَسابيع منذ العَمَل)، تَستَطيع غَسل اليَد كاملةً عاديَّاً.
- اَلماء لا يَضُرُّ الناسور — الناسورُ تَحت الجلد، والجِلدُ مُغلَق.
- تَجَنَّب فَركاً قَوياً مُباشراً عَلى مَكان الإِبَر (الذي يَستَخدم في الجَلسة).
بعد جَلسة الغسيل مباشرةً — احتياط:
- مَوضع الإِبَر مُغَطَّى بضِمادة. تَجَنَّب الماء على هذه الضِّمادة لِـ ٤ ساعاتٍ.
- إن نَزَلَ ماءٌ على الضِّمادة، اَستَبدلها فَوراً.
- بعد ٤ ساعات، اَنزع الضِّمادة وتَوَضَّأ عاديَّاً — اَلماء على الناسور سَليم.
- لو وُجدَ نَزفٌ، اَضغط بِمَنشفةٍ نَظيفة ١٠ دقائق قَبل الوضوء.
الوُضوءُ مع قَسطرة PD

إن كان لَدَيك قَسطرة الغسيل البريتوني، الأَمر مُختَلِفٌ قَليلاً:
ما تَفعله عاديَّاً:
- غَسلُ الوَجه واليَدَين والقَدَمَين كالمُعتاد — لا تَأَثير على القَسطرة.
- مَسحُ الرَّأس — لا مَشكلة.
- إِن تَوَضَّأتَ في حَمَّامٍ ومَكان القَسطرة جافٌّ، فالأَمرُ بسيط.
ما تَتَجَنَّبه:
- إِغراقُ مَوضع القَسطرة بالماء — الماءُ الرَّاكِد يَزيد خَطر العَدوى.
- غَسلُ بَطنك المُباشَر بالماء عند الوضوء (هذا لَيس من الوضوء أَصلاً).
- إن كانت قَسطرتك مَكشوفةً بدون ضِمادة ولَزِم غَسل الكشف (في الغُسل لا الوضوء)، اَلتَزم بطَريقة العِناية الكاملة بمَوضعها (راجع الفصل ٨).
نَصيحة: ضَع الضِّمادة الواقية على مَوضع القَسطرة قَبل الوضوء في الحَمَّام — تَحمي من رَشاش الماء.
متى يَجوز التَّيَمُّم؟

اَلتَّيَمُّم رُخصةٌ شَرعيَّةٌ لمَن لا يَستَطيع استعمال الماء. حالاتك التي تُجيزه:
(١) فَقدُ الماء النَّظيف — مَثلاً في سَفَرٍ بَعيد.
(٢) العَجزُ عن استعمال الماء بسبب المَرض — مَثلاً إن كان الماءُ يَضُرُّ مَوضعاً جَريحاً.
(٣) خَوفُ الضَّرر — مَثلاً البَرد الشَّديد، أو خَوف زيادة المَرض.
(٤) ضِيقُ الوَقت — إن كنتَ في جَلسة غسيلٍ ولَن تَستَطيع الوصول للماء قَبل خُروج الوَقت.
(٥) العَجزُ عن الحَركة — إن كنتَ مُسَجَّى ولا يَوجَد من يُعينك.
مهم:
اَلتَّيَمُّم بَديلٌ مُؤَقَّت. حِين يَزولُ العَجزُ، تَعودُ إلى الوضوء.
إن صَلَّيتَ بتَيَمُّمٍ ثُمَّ وَجَدتَ الماء وأنت في الصَّلاة، اَلجُمهور يَقول: أَكمِل صَلاتك، ولا تُعيدها.
كيفَ تَتَيَمَّم؟

اَلتَّيَمُّمُ بَسيطٌ — يَستَغرق ثَوانيَ مَعدودة:
(١) النيَّة في القَلب: نَويتُ التَّيَمُّم لرَفع الحَدَث الأَصغر (أَو الأَكبر).
(٢) التَّسمية: "بسم اللَّه".
(٣) اَضرب الأَرضَ بكَفَّيك ضَربةً واحدة — على تُرابٍ أَو حَجَرٍ نَظيفٍ، أَو على الجِدار، أَو على فِراشٍ مُغَبَّر.
(٤) اَنفُض الكَفَّين قَليلاً (لتَخفيف الغُبار).
(٥) اَمسَح بهما وَجهك مرَّةً واحدة.
(٦) اَمسَح بهما يَدَيك حتى المرفقَين — اليُمنى ثُمَّ اليُسرى.
ملاحظات عَمَليَّة:
في المُستَشفى، يُمكنك التَّيَمُّم على الحائط — الغُبار الخَفيف الذي يَعلوه كافٍ.
إن كان عندك حَجَرُ تَيَمُّمٍ مُخَصَّصٌ (يَبيعها بعض المَكتبات الإسلاميَّة)، فاحمله معك.
صَلاةٌ واحدة بتَيَمُّمٍ واحد — حِين تَحضر الصَّلاة التالية، تَيَمَّم من جَديد.
أَوضاعُ الصَّلاة — حَسَب طاقتك

اَلصَّلاةُ تَتَكَيَّف مع قُدرتك. لا تَترُكها أَبَداً.
اَلوَضع الكامل (مَن يَستَطيع):
- قِيامٌ، ركوع، سُجود، جُلوس — كَما تَعَلَّمت.
اَلصَّلاة قاعِداً (مَن لا يَستَطيع القِيام):
- اَجلس على كُرسي أَو على الأَرض. اَركَع بانحناءٍ خَفيف.
- اَلسُّجود: اَنحَنِ بأَكثر ممَّا انحَنَيتَ في الرُّكوع. ضَع رَأسك على رُكبتَيك إن أَمكَن.
اَلصَّلاة مُستَلقياً (مَن لا يَستَطيع الجُلوس):
- اَستَلقِ على ظَهرك، رَأسك مُرتَفعٌ بوسادةٍ تَتَّجِه إلى القِبلة.
- اَلرُّكوع: اَومئ برَأسك انحناءً خَفيفاً.
- اَلسُّجود: اَومئ برَأسك انحناءً أَكثر.
- اَجعل الإيماء للسُّجود أَكثر من الإيماء للرُّكوع — هذا التَّمييز يَجِب.
اَلصَّلاةُ أَثناء جَلسة الغسيل

أَنتَ على آلة الغسيل ٤ ساعات. خِلال هذه السَّاعات قد يَدخُل وَقتُ صَلاة. ماذا تَفعل؟
اَلوُضوء قَبل الجَلسة:
- تَوَضَّأ قَبل الذَّهاب إلى الوَحدة. اَحفَظ الوُضوء.
- إن انتَقَضَ الوُضوءُ أَثناء الجَلسة، اَستَخدم التَّيَمُّم — لا يُمكن أَن تَنزِل من الكُرسي للحَمَّام.
اَلصَّلاةُ على الكُرسي:
- اَستَأذِن المُمَرِّضة قَبل البَدء.
- اَتَّجِه نَحو القِبلة بقَدر ما تَستَطيع — إن لم تَستَطع، اَتَّجِه بقَلبك.
- اَلنيَّة: نَويتُ صَلاة الظُّهر (أَو ما هي).
- اَفتَتح بتَكبيرة الإحرام يَدَيك. اَقرأ الفاتحة في القَلب أَو بصوتٍ خَفيت.
- للرُّكوع والسُّجود: اَومئ برَأسك حَسَب طاقتك.
- اَلسَّلامُ: في القَلب أَو همساً.
نَصيحة: اَطلب من الوَحدة سَجَّادةَ صَلاةٍ صَغيرة على الكُرسي — هذه عاداتٌ كَريمة.
اَلقِبلَة وَنَظافةُ المَكان

في الوَحدة، تَحَدِّيان: الاتجاهُ والنَّظافة.
اَلقِبلَة:
- في عُمان، اَلقِبلَةُ نَحو الشَّمال الغَربي تَقريباً (٢٧٤°).
- اَستَخدم تَطبيقاً على هاتفك (Muslim Pro، Qibla Compass) لتَحديدها بدِقَّة.
- إن كانت آلةُ الغَسيل لا تُمَكِّنك من التَّوَجُّه إلى القِبلَة (كَهرَباء، خَراطيم)، فاتَّجه بقَلبك — "فأَينَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجهُ اللَّه".
النَّظافة:
- كُرسي الغَسيل نَظيفٌ، والمَلاءَةُ نَظيفة. هذا يَكفي.
- إن انتَقَلَ دَمٌ من الإِبَر إلى مَلابسك (نادر)، اَستَبدلها قَبل الصَّلاة إن أَمكَن. إن لم يُمكِن، فالضَّرورة تُجيز الصَّلاة بها.
اَلسَّاترُ من العَورة: تَأَكَّد أنَّ ذِراعك المُكَشَّفة (التي تَدخُل فيها الإِبَر) لا تَكشف ما يَجِب سَتره.
اَلجَمع بَين الصَّلَوات في يَوم الجَلسة

في يَوم جَلستك، قد تَدخل الجَلسةُ في وَقت صَلاتَين. اَلجَمعُ بَين الصَّلَوات رُخصةٌ لِلمَرض.
اَلجَمع بَين الظُّهر والعَصر:
- إِن كانت جَلستك صباحاً وتَنتَهي عَصراً، يُمكنك أَن تُصَلِّي الظُّهر والعَصر معاً.
- جَمعُ تَقديم: تُصَلِّي الظُّهر في وَقتها ثُمَّ العَصر مَعها (قَبل دُخول وَقت العَصر).
- جَمعُ تَأخير: تُؤَخِّر الظُّهر إلى وَقت العَصر وتُصَلِّيهما معاً.
اَلجَمع بَين المَغرب والعِشاء:
- إِن كانت جَلستك مَساءً وتَنتَهي ليلاً، يُمكنك أَن تُصَلِّي المَغرب والعِشاء معاً.
- جَمعُ تَقديم أو تَأخير — كما الظُّهر والعَصر.
ملاحظات:
- اَلفَجر لا يُجمع — وَقتها مُحَدَّد.
- اَلنيَّة قَبل الجَمع: نَويتُ جَمعَ التَّقديم (أَو التَّأخير).
- هذه رُخصةٌ لِلحاجة — لا تَجعلها عادةً في غَير الجَلسات.
قَضاءُ الصَّلَوات الفائتة

أَحياناً يَفوتك وَقتُ صَلاةٍ — إِغماءٌ في الجَلسة، نَومٌ من الإِرهاق، عمليَّةٌ طارئة. لا حَرَج. اَلقَضاء واجب.
قواعِدُ القَضاء:
- اَلصَّلاةُ التي فاتَت تُقضى بمُجَرَّد القُدرة — حِين تَستيقظ، أَو تَستَفيق.
- اَقضِها بالتَّرتيب: إن فاتَك الظُّهر والعَصر، صَلِّ الظُّهر ثُمَّ العَصر.
- اَلنيَّة: نَويتُ صَلاة الظُّهر الفائتة قَضاءً.
إن فاتَتك صَلَوات كَثيرة بسبب غَيبوبةٍ طَويلة:
- اَلجُمهور يَقول: تَقضي ما تَستَطيع وتَستَغفر.
- بَعض العُلَماء يَقول: مَن غَلَب على عَقله لا قَضاء عليه.
- اَستَشِر إمام مَسجدك للحالات الطَّويلة.
اَلأَهَمُّ: لا تَهجُر الصَّلاة كَلِّياً بحُجَّة الكَثير الفائت. اِبدَأ من اليَوم، واَقضِ تَدريجياً.
متى تَسأل إمام مَسجدك؟

هذا الفصلُ مَدخَلٌ. الأَحكامُ التَّفصيليَّة لكلِّ حالةٍ شَخصيَّةٍ تَستَشير فيها أَهلَ الذِّكر.
اَستَشِر إمامك أَو دار الإفتاء في:
- اَلأَسئلة المُتَعَلِّقة بحالةٍ شَخصيَّةٍ مُعَقَّدة لم تَجد جَوابها هنا.
- اَختلاف الحالة بَين المَذاهب وَأَنتَ تَنتَسب لمَذهبٍ مُعَيَّن.
- حالاتُ الجُنُب والاغتسال مع القَسطرة.
- حالةُ خَوف الضَّرر — هَل تَسقط الصَّلاةُ عن المَريض في غُرفة العِناية المُرَكَّزة؟
- اَلصَّلواتُ المَتروكة لِسَنواتٍ بسبب جَهلٍ بالأَحكام.
- كَيف تَسأل بفائدة:
- اَخبر الإِمام بحالتك الكامِلة (مَريض غَسيل، نَوع علاجك، مُدَّتك).
- اَوصف ما تَستَطيع وما لا تَستَطيع.
- اَسأل عن الحالة الخاصَّة، لا عن الأَحكام العامَّة.
في عُمان: دار الإفتاء مَفتوحةٌ للتَّواصُل (هاتف، مَوقع، زيارة).
خُلاصة الفصل — صَلاتُك تَبقى مَعك

اَحفَظ هذه القَواعد الذَّهَبيَّة:
(١) اَلصَّلاة لا تَسقط عنك بحُجَّة المَرض — تَتَكَيَّف فقط.
(٢) اَلوُضوء بالماء حين تَستَطيع، التَّيَمُّم حين لا تَستَطيع.
(٣) بعد التِئام الناسور، اَلوُضوء كامِلٌ بدون قَيود.
(٤) مَوضع القَسطرة يَبقى جافَّاً قَدر الإمكان.
(٥) اَلصَّلاة على الكُرسي أَثناء الجَلسة — بالإيماء برأسك.
(٦) جَمعُ الظُّهر مع العَصر، والمَغرب مع العِشاء، رُخصةٌ يَوم الجَلسة.
(٧) اَلفائتُ يُقضى بمُجَرَّد القُدرة.
(٨) لِلأَسئلة الخاصَّة، اَستَشِر إمامك أَو دار الإفتاء.
أَنتَ مَريضٌ، نَعَم. لكنَّك أَيضاً عَبدٌ من عِباد اللَّه، يَسعى لِنَيل رِضاه. اَلصَّلاةُ هي رحلَتك الرُّوحيَّة المُوازية لِرحلَة العلاج. كِلتاهما تَسير معك يَوماً بيَوم — وإِرادتك في كليهما أَقوى من المرض.